وعلى النقيض من ذلك، قد تكون هناك كفاءات سعودية ذات خبرة أو تمتلك قدرات أفضل ولكنهم لايعطون الأولوية، بل إنهم يدوخون السبع دوخات قبل أن يجدوا فرصة وظيفية وحتى إن وجدت فهي ربما لاتضاهي مايُعرض للأجنبي من مزايا كالسكن والبدلات والتذاكر السنوية خارج البلاد له ولأفراد العائلة.
ليست المشكلة في توظيف الأجانب وإغرائهم بالمجيء لدولة شرق أوسطية ذات طقس وظروف مناخية وثقافية مختلفة عمّا اعتادوا عليه في بلادهم، ولكن المشكلة تكمن في تغييب السعودي خصوصًا إن كان صاحب مؤهلات متميزة مقابل استقطاب أسماء أجنبية لشغل وظيفة يتوفر لها كوادر وطنية. يمكن فهم علاقتنا مع تبجيل الخواجة حينما ارتبط حضوره في أرامكو حينما نشأت بتقديم منجزات جديدة وتقنية لم نعهدها في بدايات نهضة بلادنا، ولكن المواطن السعودي اليوم خاض تجارب وتعلم وسافر ولديه الوعي والقدرة على التمييز، ولكن الثقافة لاتزال تربط بين أشياء مظهرية كالاسم أو الجنسية وتجعل لها علاقة بالكفاءة والنجاح.
إذا كان اسمك كوهين أو ديفيد أو ستيفن مثلا، وشعرك أشقر وبشرتك بيضاء، فهذه مقومات أساسية لكي تصبح عبقريًا ملهمًا وداهية لايشق لك غبار في بلاد العرب. ومن الأمثلة على ذلك أن إحدى الباحثات في إحدى بلاد المغرب العربي اقتبست معلومات علمية في بحث لها من مؤلف عربي، ونسبته إلى مؤلف أجنبي؛ وبعد أن كشف أمرها قالت بأنها فعلت ذلك لكي تعطي البحث قيمة علمية فيشعر القارئ العربي من خلال نسبة الكلام إلى الاسم الأجنبي أن المعلومة صحيحة بالضرورة. ومؤلف آخر من بلد عربي آخر من بلاد الشام أخذ معلوماته من باحث أمريكي (من أصل عربي) لكن اسمه (حسن) فلم يرق له هذا الاسم العربي فغيّره إلى اسم (هاين) وأبقى الاسم الأخير كما هو.
وهذا يوضح كيف أن الاسم بحد ذاته له قيمة عالية في الثقافة العربية بحيث يعتبر مصدر ثقة عند القارئ في المجال المعرفي. والأمر نفسه في المجال الإداري، فبعض المدارس الخاصة في مدينة الرياض تضع من ضمن مميزاتها التي تعلن عنها في الصحف وعلى اللوحات أن مديرة المدرسة أمريكية أو كندية أو فرنسية. ومن الواضح أن هذا التصرف يعتمد على مافي ذهن المتلقي من تداعيات مرتبطة بالاسم الأجنبي الذي يعني فيما يعنيه التميز والدقة والمهارة العالية وجودة الإنتاج والإخلاص والحرص على الوقت والاحترام..وغير ذلك من القيم العليا التي يمكن أن تزيد وتتضخم من مخيلة شخص إلى آخر.
ولو نظرنا في واقعنا لوجدنا أنه لايتطابق دائمًا مع تلك الأفكار النمطية، فبقدر مايوجد خواجات متميزون ولديهم كفاءة عملية ناجحة هناك في المقابل خواجات مستوياتهم أقل من الحد الأدنى المطلوب. وفي الوقت نفسه، هناك سعوديون وعرب متميزون في إنجازاتهم البحثية وفي أعمالهم الإدارية.
فعلى سبيل المثال، لايمكن لأي منصف أو مغرض أن يقلل من جهد شخصية أكاديمية وضعت بصمة واضحة في تاريخ الجامعات السعودية في فترة قصيرة جدًا، وهو الدكتور عبدالله العثمان مدير جامعة الملك سعود الحالي. فهذا الرجل يملك رؤية تطويرية وفلسفة إدارية مرنة وتفاعلية، استطاع من خلالها القيام بتغييرات إيجابية في جامعة الملك سعود فدعم الأبحاث العلمية وشجّع أعضاء هيئة التدريس على تقديم مالديهم من إبداعات ليس فقط على نطاق التدريس بل كذلك الأبحاث والتطوير الذاتي سواء بالمشاركة في الندوات والمؤتمرات المحلية والأقليمية والعالمية أو بأخذ دورات لتطوير القدرات خصوصا فيما يتعلق بالحاسب الآلي وطرق التدريس والإنترنت. كما اهتم بالطلاب بشكل يساعدهم على بناء شخصياتهم عن طريق العناية بحقوقهم والدفاع عنها والمشاركة الفعلية في تطوير مستوى التعليم في الجامعة عن طريق تقييم أعضاء هيئة التدريس والمواد التي يدرّسونها.
وهذا النموذج الناجح هو الذي يصحح الصورة النمطية ضد السعوديين، ويجعلهم موضع منافسة مع غيرهم دون أن يكونوا في رهان مع التميز محكوم بالاسم الأجنبي أو بالجنسية. وكم نحن بحاجة إلى تكرار هذا النموذج في كثير من القطاعات والجهات، ليس لتصحيح الفكرة عن السعوديين فحسب، وإنما للنهوض بهذا الوطن واستثمار مقدراته وطاقاته خير استثمار










